ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

377

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

التحقيق ؛ إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس ؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها . وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب ، فقال : أما أبو تمام فخطيب منبر ، وأما البحتري فواصف جؤذر ، وأما المتنبي فقاتل عسكر ، وهذا كلام حسن واقع في موقعه ؛ فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل . ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره ، فقيل له : ولم ذاك ؟ فقال : لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد ، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت ؛ وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له ؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد ، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم له منه بيت واحد ؟ ! لكن كان الأولى ببشار أن قال : لي اثنتا عشرة ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها ، وليس في واحدة منهم ما يسقط ؛ فإنه لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء ، ومع هذا فقد وصل إليّ ما في أيدي الناس من شعره مقصّدا ومقطّعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها ، لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئة ، وتندر له الأبيات اليسيرة . وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيد وغيرهما أنهم قالوا : هو أشعر الشعراء المحدثين قاطبة ، وهم عندي معذورون ؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام ، ولا على معاني أبي الطيب ، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري ، وهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية ، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ ، أو شاعر مفلق ؛ فإنّ أهل كل علم أعلم به ، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية ، وكما لا يسأل أيضا النحوي عن مسألة طيبة فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية ، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره . على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة ، ما من أحد إلّا ويحبّ أن يتكلم فيه ، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخطّ بيده